اليمن السعيد .. السياسية والسياحية .. !!
كتبهاعبدالرحمن حامد القرني ، في 14 مايو 2009 الساعة: 18:12 م
اليمن السعيد .. السياسية والسياحية .. !!
رؤية وتصوير : عبدالرحمن القرني
لا بد من صنعاء وإن طال السفر. الكلام ليس لي. بل هو قول عربي قديم. لكن رغبتي في السفر إلى صنعاء لم تكن للهدف ذاته الذي من اجله صار هذا الكلام العربي القديم مثلاً. ولم يكن سعيي إلى صنعاء يحمل هذه اللوعة وهذا التوق وهذا الإصرار. الاّ أنني، مع ذلك، كنت أتشوّق للذهاب إلى هناك، إلى حيث التاريخ العربي القديم، وإلى حيث الجغرافيا الطبيعية والمعمارية ذات الخصوصية اليمنية المميزة، وإلى حيث الثقافة والتراث العربيان.
ذلك ان زياراتي المتكررة إلى عدن، المدينة والمحافظة، في جنوب اليمن، بين عامي 2007ميلادي و 2009 ميلادي لم تكن كافية لا شباع فضولي واغناء معرفتي باليمن الحديث والقديم كله. كان، اذن، لا بد من زيارة الشمال اليمني، والعاصمة صنعاء خصوصاً، لكي تكتمل المعرفة ويرتاح الضمير الفضولي. غير ان امراً آخر كان يحفزني على القيام بهذه الزيارة، ويلح عليّ بما يشبه الإصرار، لكي الاقي، في شوقي إلى اليمن، شوق صاحب الكلام العربي القديم إلى صنعاء. وهو فضول شخصي ، بكل معنى الكلمة.
ولكن الزيارة، مع ذلك، جاءت تلبية لدعوة كريمة من صديقنا الشيخ : عبدالسلام صالح هشبول ، عضو بالبرلمان اليمني والصديق العقيد : عبدالحميد النهاري قائد قطاع حرس الحدود بجزيرة حنيش . وهي دعوة تكررت وتأجلت تلبيتها مرات عدة، لظروف خاصة بنا وبأصدقائنا اليمنيين .. عن طريق التعرف عليهم في السعودية باحدى مواسم الحج . ولذلك فان السبب المباشر للزيارة سياسي وثقافي. وقد اتاحت لي، أنا خصوصاً، التعرف إلى الواقع الجديد في اليمن، بعدما توحد هذا البلد العربي، في ظروف صعبة ودامية، وحقق لليمنيين حلماً عريقاً، حرموا زمناً طويلاً من تحقيقه، لأسباب يتحملون هم مسؤوليتها، أو لأسباب خارجة عن أرادتهم.
وكانت قد قسمت اليمن، في فترات تاريخية سابقة، المطامع الأجنبية، العثمانية والبريطانية، وأجلت توحيده سياسات هنا، وسياسات هناك، ومصالح متناقضة متعددة الاتجاه في كل الأمكنة. وهكذا اجتمعت لي ولصديقي (فهد العرداني ) في الزيارة أهداف قديمة وجديدة، أعطتها، بالنسبة اليّ، معنى خاصاً، هو المعنى الذي شجعني على ان اكتب هذه الانطباعات، في صيغة تجمع بين المتعة الشخصية، والفضول المعرفي، وتشير إلى عمق العلاقات السياسية مع الأصدقاء اليمنيين.
الجانب السياسي في الزيارة تمثل بلقاء حميم ومطول مع ( مجموعة من السياسيين اليمنيين عسكريين ومدنيين ) لقد شكّل هذا اللقاء إلى مفاجأة كبيرة وسارة، بالنسبة لي . اذ حضره، إلى جانب الأعضاء البارزين من قيادة المؤتمر الشعبي .
كثرة اللقاءات وكثرة القضايا التي كانت محور نقاشات صريحة فيها، أغنت معرفتي باليمن. لكنها لم تكن غريبة عني الكثير من الأمور السياسية والاضطرابات التي تدور في ساحة اليمن ..
وعرفت الكثرة ما يعرف عن اليمن وما يعرفه عن اليمنيين، ذلك ان هذه الزيارة قد جمعت ووحدت، بالنسبة اليّ، بين ما كنت اعرفه عن اليمن، من خلال القراءات والأصدقاء ومن خلال الأحداث، وما عرفته بالمشاهدة على ارض الواقع.
في السياسة والثقافة والتاريخ والجغرافيا، انما اكتسبتها بالمشاهدة المباشرة الحية. ولذلك فهي تعيش زمناً اطول في الذاكرة وفي الرؤى.
من بين ما كانت من انطباعتي ، بان ما حدث قد حدث - وهو مأسوي بالطبع - اياً كانت الاسباب التي ادت اليه، وان على القوى الديموقراطية اليمنية ان تتعامل مع الواقع الجديد بسياسة جديدة، لا ترجع التاريخ إلى الوراء بل تحدد مساره بدقة، لكي يذهب اليمنيون إلى مستقبلهم بأقل ما يمكن من الآلام، وبأكثر ما يمكن من الآمال، وان يفيدوا من التجأوب، تجأوبهم هم وتجأوب الشعوب الأخرى، في ما يضعونه أمامهم من مهمات واقعية.
ومن وجهة نظري إلى ان مهمة الخروج من التخلف الاقتصادي والاجتماعي، الذي تشكل القبلية مصدره ومصدر استمراره وتفاقمه، هي مهمة الحاضر والمستقبل. وأكدت على ان الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية توأمان يكمل واحدهما الآخر في النمو والارتقاء. ولكنهما لا يصنعان التقدم في لحظة واحدة، ولا توجد وصفة جاهزة للتعجيل في تحقيق هذا التقدم. بل هو يأتي بالتدريج، وبابداع متواصل تشارك في انتاجه القوى الحية في المجتمع، بأئتلافها واتفاقها حول الهدف الأساسي، ولو كانت الرؤى متباينة بينها إلى حدود التناقض. ولكل شيء ثمن في حياة الشعوب والأمم!
الا ان من مفارقات زيارتنا هذه إلى صنعاء انها جاءت في وقت تنشغل فيه الدولة في معالجة الآثار التي لحقت باليمن من جراء احداث الحادي عشر من ايلول، بفعل مشاركة يمنيين ينتمون إلى تنظيم القاعدة، سواء في تلك الأحداث، أم في احداث سبقتها. اهمها، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قضية المدمرة الاميركية "كول" التي جرى تفجيرها في قاعدة عدن البحرية عام .1999 وينصب اهتمام المسؤولين في اتجاهين: محأولة استيعاب مفاعيل الحرب الاميركية الهوجاء، التي تجري باسم محاربة الارهاب، والموجهة ضد البلدان التي تقوى فيها التيارات الأصولية الإسلامية، هذا من جهة، والمحافظة، من جهة ثانية، على الحد الأدنى الضروري من الاستقلالية، حتى لا تتحول البلاد إلى مجال للقوات الأميركية ولاستهدافاتها واستخداماتها الإقليمية.
وهي سياسة تمليها على السلطات، في الدرجة الأولى، مراعاة المشاعر الوطنية والقومية والدينية التي عبرت عنها التظاهرات الشعبية الصاخبة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وجاءت في معظمها تلبية لقرار من السلطة، كما اكد لنا ذلك الكثير من ( القادة السياسيون باليمن ) . لذلك كان من الطبيعي ان تطغى، في آن واحد، على الاهتمام العام، قضية فلسطين ووحشية اسرائيل في مواجهة الانتفاضة، ولبنان وعنجهية اسرائيل في تدميرها وحزب الله ، والحرب الاميركية ضد الارهاب، في الشكل الذي حددته الإدارة الأميركية للارهاب، مفهوماً وأساليب، وحددت أماكن وجود هذا الارهاب، وحددت الاهداف العسكرية والسياسية لمواجهته.
وكان من الطبيعي ان تشمل النقاشات التي أجريناها مع الاصدقاء اليمنيين، في كل المواقع، هذه الأمور وسواها، مما هو مشترك بيننا في الهموم والاهتمامات. وكان من الطبيعي ان تتقاطع المواقف، في معظم الأحيان، وان تختلف وتتباين، في احيان اخرى. الاّ ان النقاشات كانت، في كلتا الحالتين، مفيدة للجميع. واذا كان النقاش مع قيادة المؤتمر الشعبي قد تنأول الأوضاع العربية العامة، وفي مقدمها قضية فلسطين، التي تشغل الجميع، فان النقاش مع قيادة الحزب الاشتراكي شمل، إلى جانب هذه القضايا، قضايا ذات صلة بدور الحزب في اليمن، اذ اكتفينا بالاستماع إلى رأي الرفاق اليمنيين فيها. وهي قضايا تعنينا، بالتأكيد، لكنها ليست من اختصاصنا.
كما شمل هذا النقاش قضايا اخرى ذات اهتمام مشترك، تتعلق بواقع الاشتراكية في عصرنا، الاشتراكية كمشروع للتغيير، بات يحتاج، هو ذاته، إلى تغيير في الفكر والسياسة والأهداف والقوى وأشكال التعاقد والتحالف والنضال. وقد اسعدنا جداً ان يكون الرفاق اليمنيون قد تقدموا في البحث في هذا الموضوع، وان يكونوا قد استخلصوا دروساً من تجربتهم ومن التجارب الأخرى، وان يكونوا قد أقروا مبدأ التعددية في الحزب، وباشروا في تنفيذ موجباته، وبدأوا يقطفون ثمارها الايجابية، سياسياً وتنظيمياً، على حد سواء .. ( ذلك كان الجانب السياسي من الرحلة ) .. !!
( اما الجانب السياحي التاريخي والجغرافي ) .. فقد بدأ في اليوم التالي لوصولنا، بالتوجه بالسيارة إلى مدينة تعز، ومنها إلى عدن. وقطعنا في تلك الرحلة مسافات استطعت تحديدها بالكيلومترات (150 ) كم ، لكنها تجأوزت بعدد الساعات، في الذهاب والإياب، من صنعاء إلى تعز إلى عدن، ومن عدن إلى صنعاء، ما يزيد عن خمسة عشر ساعة. ولم اكن أتصور ان اليمن، الذي ترتفع عاصمته صنعاء عن سطح البحر الفين وثلاثمائة متر، يقع الجزء الداخلي منه على سلسلة لا نهاية لها من الجبال البركانية التكوين، في طول البلاد وعرضها. صخورها سوداء، واحجامها صغيرة، بعكس الصخور الضخمة العالية الارتفاع .
ولأن هذه الجبال بركانية في تكوينها، كما بدا لي وكما فهمت من بعض الشروحات التي قدمت لنا، فانها جرداء خالية من الشجر، إلا في بعض الوديان، التي تساهم السيول في اخصابها في حدود معينة. ومدينة تعز هي، مثل صنعاء، من حيث قدمها. وهي ذات مساحة واسعة وذات كثرة سكانية مثل صنعاء. وكانت صنعاء قد قدمت لنا صورة عن تاريخها، تمثلت، في المدينة القديمة خصوصاً، بالأبواب التاريخية، والأبراج، التي تذكر بالسور القديم الذي كان يحيط بالمدينة، من جميع الجهات، حيث كانت تقفل أبوابه في الليل، ضماناً لأمن السكان والحكام. كما تمثلت لنا صورة صنعاء القديمة ببعض الأبنية التي لا تزال تشير إلى قدمها وإلى طابعها المعماري المميز. اما في تعز فان اكثر ما لفت انتباهنا هو الجبل (جبل صبر) الذي صعدنا إلى قمته المرتفعة ثلاثة آلاف وثلاثمائة متر فوق سطح البحر، عبر طريق حديث تقوم على جانبيه، وسط تعرجاته الكثيرة، مراكز سياحية جميلة مدهشة، من حيث مواقعها التي تطل منها على مدينة تعز وامتداداتها في الأفق البعيد.
كانت الطريق إلى تعز، التي تسلقنا فيها جبالاً، وعبرنا فيها أودية، واجتزنا مدناً وقرى عديدة، بالنسبة إلينا، في هذه الرحلة بالذات، مجرد طريق إلى عدن، تاركين الاهتمام بتعز وبالمدن الأخرى إلى فرصة اخرى. كانت قبلتنا عدن، عاصمة الجنوب اليمني القديم، الذي ما ان تحرر من السيطرة الاستعمارية بالكفاح المسلح حتى توحدت فيه السلطنات القديمة لتشكل، بالتدريج، جمهورية اليمن الديموقراطية. وكان يحصل ذلك في الوقت الذي كان شمال اليمن ينتقل بالثورة التي قادها السلال (1962) من المملكة القديمة (الإمامة)، التي كان يتولى قيادتها آل حميد الدين، إلى الجمهورية التي صارت تعرف بالجمهورية العربية اليمنية. حصل كل ذلك التحول على امتداد عقد الستينات من القرن الماضي.
عندما دخلنا بوابة عدن، وكان الليل قد دهمنا ونحن في منتصف الطريق بين محافظة تعز ومحافظة لحج، بدأت ، ومعنا المرافق ( الشيخ عبدالسلام صالح ) ، نتذكر معالم عدن ومداخلها، من دون ان تساعدنا المشاهد التي واجهتنا على معرفة ما كان ذات يوم في تلك الأمكنة مختلفاً جداً عما اصبح عليه اليوم. وكانت بوابة عدن مجرد خدعة، بالنسبة الينا. اذ ان المسافة بين تلك البوابة وعدن المدينة كانت بعيدة جداً، تجأوز الوصول اليها ساعة بكاملها بسرعة سيارتي ذات الدفع الرباعي التي اطلقت عليها ( المصفحة ) لكثرة زيارة الاماكن النائية والتضاريس الصعبة على الحدود السعودية اليمنية ، وفي محافظات وقرى يمنية صعبة التضاريس ، واصبحت مهاراً في قيادتها وحتى حين دخلنا إلى عدن لم نعرف ، أياً من المعالم التي تدلنا عليها.
كل شيء تغير في المدينة وفي ضواحيها وفي مداخلها. كبرت عدن كثيراً، وغرقت في عالم من العمران الذي يستعصي في بلداننا، بفعل التخلف الحضاري المتوارث، على التنظيم المدني. اذ تشعر وانت تغذ السير في شوارع المدينة كأنك في غابة متوحشة من المباني، التي لم تعرف عدن مثيلاً لها في السابق، والتي لا يربط بينها في المستويات العليا والدنيا اي رابط. ولم نعرف اين اصبحنا في عدن المدينة الا عندما دخلنا فجأة في باحة فندق عدن الدولي في خور مكسر .
هنا، في هذا الموقع بالذات في عدن، احسسنا اننا ندخل، من دون مقدمات، في عالم من التاريخ والذكريات والمشاعر، وفي دنيا من الأحلام، ما ان اقتربت، أو توهمنا انها اقتربت، ذات عام، من الحقيقة، حتى تبخرت، وانهار كل اساس قديم من اساستها. وقد تذكرت الاستعمار البريطاني الذي امتد لاكثر من ثمانون عاما في عدن ، وقد لمست في الحي الدبلوماسي القاعدة البحرية البريطانية القديمة، وامتداداتها من قبائل، كانت مناطقها مرتعاً للسلاطين، املاً في ان تتحول جمهورية اليمن الديموقراطية إلى تجربة اشتراكية عربية جديدة من نوعها. وهي كانت تجربة، لو اتيح لها ان تنجح، لكانت اثبتت صحة نظرية طال الجدل حولها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حملت اسم التطور اللارأسمالي.
وهي نظرية روج لها بعض المفكرين السوفيات، كاجتهاد منهم في الماركسية يعالج قضايا التطور في البلدان المتخلفة اقتصادياً واجتماعياً، والتي أطلق عليها اسم البلدان النامية. وتشير هذه النظرية إلى امكان انتقال هذه البلدان من الاقطاع والاستبداد الشرقيين إلى الاشتراكية من دون المرور بالطور الرأسمالي، خلافاً لما تقول به النظرية الماركسية حول تطور المجتمعات البشرية. وكان يستند أولئك المنظّرون في تبرير نظريتهم إلى وجود منظومة اشتراكية عالمية قادرة على الحلول محل الطبقتين الضعيفتي التطور في هذه البلدان، البورجوازية والطبقة العاملة، وذلك من خلال الدعم الذي يُقدم إلى الديمقراطيين الثوريين ، الذين كانوا يحملون افكاراً تقدمية ترمي إلى النهوض ببلدانهم وتحقيق التقدم فيها، بكل مكوناته.
لكن السقوط المروع للتجربة وللأحلام التي ارتبطت بها تجربة اليمن، أعاد التذكير بتلك النظرية، واعاد التأكيد، بالنسبة إليً ، في المراهنة على التجربة اليمنية الديموقراطية، ذات التوجه الاشتراكي، اكثر خيالا مما كانت تسمح به القوانين الموضوعية. وسرعان ما حسم النقاش سقوط التجربة السوفيتية برمتها.
تجولنا في عدن الكبرى والصغرى خلال النهار التالي كله. كنا نحب ان نعرف كيف تحولت عدن من قديمها إلى جديدها، لكي نقارن بين الذاكرة والواقع. ولم نكن بحاجة إلى تفكير طويل لكي نكتشف الفجوة بين تاريخين لكل منهما سماته المختلفة جوهرياً. فالمعالم تغيرت كلها، على الشاطئ وفي الداخل. فندق "غولد مور"، الذي تأسس بهندسة بلغارية، تحول فندقا جديدا فخما، هو فندق "شيراتون". الا ان التغيرات في المدينة لم تكن كلها بمستوى هذا التغير الذي حصل في فندق "غولد مور" الساحلي. لكن الكثير من المعالم الجمالية الساحرة التي تمتاز بها عدن ظلت تحافظ على بهائها. الأمر الذي جعلني اطرح السؤال على مرافقي من الأصدقاء اليمنيين الذي تطوع بمرافقتي في ذلك النهار: أليس من الأفضل لو ان الدولة حولت عدن بكاملها، عدن الساحلية، الكبرى والصغرى، منطقة سياحية، واستعانت بشركات عالمية لتحقيق ذلك؟
لا استطيع ان اخفي مشاعري، ونحن نغادر عدن من طريق ايريان، مرورا بمنطقة الضالع، وريم ثم ذمار في اتجاه صنعاء. ومحور مشاعري كان تلك المناظر الجميلة والتاريخ العريق لعدن ..
خلال الزيارة، هو ان اليمن التاريخ، واليمن الثقافة والتقاليد، هو، مثل اليمن الجغرافيا، يخضع لقوانين طبيعة اليمن الخاصة. فاليمن، منذ القدم، بلاد قبائل، يلتقي مع جيرانه في عمان والسعودية، ويهاجر ويغترب، شرقا وغربا، ويبقى يمني التقاليد والعادات التي تتحكم فيه وفي تطوره، الا ان للقبائل مناطق. ولذلك فالقبائل والمناطق هي التي يتوزع اليمنيون في الانتماء اليها، اكثر من انتمائهم إلى المذاهب الدينية الإسلامية، وهي زيدية وشافعية. ويكاد لا يكون للمسيحيين وجود إلا في شكل فولكلوري، في حين ان اليهود قد هاجروا، اما إلى الغرب واما إلى إسرائيل، منذ أواسط القرن الماضي. لا فرق في هذه السمات بين شمال وجنوب.
قبيلتا حاشد وبكيل موجودتان في الشمال. وهما قبيلتان كبيرتان، ومن خلال اطلاعي عرفت أنهما تنتميان في جذورهما إلى همدان ام القبائل اليمنية . اما في الجنوب فهناك مناطق الضالع ويافع وابين وشبوه وحضرموت. وهي مناطق جنوبية، وتعرف بذلك، اكثر مما تعرف باسم القبائل. والمناطقية، إلى جانب القبلية، هي السمة المميزة لليمن شمالا وجنوبا. لكن ثمة سمة اخرى تدخل في باب تقاليد اليمنين شمالا وجنوبا ايضا. انها نبتة القات التي "يخزّنها" اليمنيون كل يوم، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، بين حاكم ومحكوم، بين زعيم ورعاياه، بين يسار ويمين. كلهم يذهبون افواجا إلى اماكن التخزين (المقايل، جمع مقيل)، وتنتفخ الجهة اليمنى أو اليسرى من الفم اعلانا عن مدة التخزين وعن كميته، وعن المستوى الذي يكون قد بلغه عند المخزن النشاط الذهني والجسدي المتولد من التخزين.
ورغم ان اهل اليمن جميعا يعلمون ان القات آفة اجتماعية فانهم لا يملكون القدرة والشجاعة على وضع حد لانتشاره.
لكأنه القدر الذي لا رادّ له. ويبرر البعض عدم الأقدام على الحد منه، أو منعه، أو تقنينه، بأنه يشكل مصدر ثروة لليمن، لكنها ثروة للاثرياء، ومصدر كوارث للجمهور الكبير من الشعب، وهو يشكل تعويضا عن نواقص ومشكلات مادية واجتماعية عند اليمنيين. إلا ان الرد على هذا التبرير تقدمه اقتراحات عديدة للتعويض عنه، كثروة وكتقليد وكحاجة اجتماعية، باستبداله بزراعة اكثر جدوى من الناحية الاقتصادية، واقل ضررا بالنسبة إلى المجتمع. وهي مهمة على الدولة والمجتمع ان يجدا حلا حقيقيا لها.
الزيارة لليمن لا يكفيها أسبوع لكي يتعرف الزائر إلى مجمل العناصر التي تشكل سمات هذا البلد العربي العريق، تاريخا وثقافة وتراثا، وواقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. لكننا غادرناه بعد أسبوع، لأن وقت الزيارة المحدد انتهى، رغم ان أمورا كثيرة ظلت تنقصنا. اذ هل يجوز لأي زائر سياسي أو ثقافي أو سياحي يزور اليمن إلا يذهب إلى سد مأرب، وإلى وادي حضرموت وساحلها، وإلى جزيرة سوقطرة، وإلى الجزر التي تقع في شمال باب المندب، جزر حنيش التي تنازع اريتريا، بدعم من اسرائيل، اليمن على ملكيتها، رغم القرار الذي اتخذته محكمة العدل الدولية، الذي يثبت هذه الملكية؟ وهل يجوز لزائرين مثلي ، مثقل بالفضول التاريخي والثقافي والمعرفي ان نزور اليمن ولا نلتقي مع مثقفيها، أدباء وشعراء وفنانين وجامعيين وباحثين في شتى ميادين المعرفة؟
ومع ذلك فقد انتهت الزيارة بهذا القدر البسيط من المعارف، بأمل ان تتاح لنا فرصة اخرى تكون فيها ظروفنا وأوقاتنا اكثر ملاءمة .. لا بد اذن ، من صنعاء، مرة ثانية وثالثة، وان طال الزمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























